القرطبي
45
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فالق الصبح كل يوم ، يريد الفجر . والإصباح مصدر أصبح . والمعنى : شاق الضياء عن الظلام وكاشفه . وقال الضحاك : فالق الإصباح خالق النهار . وهو معرفة لا يجوز فيه التنوين عند أحد من النحويين . وقرأ الحسن وعيسى بن عمر " فالق الإصباح " بفتح الهمزة ، وهو جمع صبح . وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قرأ " فلق الإصباح " على فعل ، والهمزة مكسورة والحاء منصوبة . وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وحمزة والكسائي " وجعل الليل سكنا " بغير ألف . ونصب " الليل " حملا على معنى " فالق " في الموضعين ، لأنه بمعنى فلق ، لأنه أمر قد كان فحمل على المعنى . وأيضا فإن بعده أفعالا ماضية وهو قوله : " جعل لكم النجوم " . " أنزل من السماء ماء " . فحمل أول الكلام على آخره . يقوي ذلك إجماعهم على نصب الشمس والقمر على إضمار فعل ، ولم يحملوه على فاعل فيخفضوه ، قاله مكي رحمه الله . وقال النحاس : وقد قرأ يزيد بن قطيب السكوني " جاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا " بالخفض عطفا على اللفظ . قلت : فيريد مكي والمهدوي وغيرهما إجماع القراء السبعة . والله أعلم . وقرأ يعقوب في رواية رويس عنه " وجاعل الليل ساكنا " . وأهل المدينة " وجاعل الليل سكنا " أي محلا للسكون . وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول : " اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا أقض عني الدين وأغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك " . فإن قيل : كيف قال ( وأمتعني بسمعي وبصري ) وفي كتاب النسائي والترمذي وغيرهما ( واجعله الوارث مني ) وذلك يفنى مع البدن ؟ قيل له : في الكلام تجوز ، والمعنى اللهم لا تعدمه قبلي . وقد قيل : إن المراد بالسمع والبصر هنا أبو بكر وعمر ، لقوله عليه السلام فيهما : ( هما السمع والبصر ) . وهذا تأويل بعيد ، إنما المراد بهما الجارحتان . ومعنى " حسبانا " أي بحساب يتعلق به مصالح العباد . وقال ابن عباس في قول جل وعز : " والشمس والقمر حسبانا " أي بحساب . الأخفش : حسبان جمع حساب ، مثل شهاب وشهبان . وقال يعقوب : حسبان مصدر